علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
239
ثمرات الأوراق
الزمن ، ويقرّب مثلي قربا لا يفطن لمثله إلا من ومن ، فيا لها سفرة قابلها وجه الإقبال « 1 » بالسّفور ، وتلا فضلها : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [ فاطر : 34 ] ومدّ فيها للإنعام عليّ ظلا ظليلا ، وملأ بيتي وعيني دقيقا وجليلا . وأمرني أن أصف له المنازل والطّرق وصفا كقصده الجميل جميلا ، فسرنا وأيدي السعد قد ذلّلت الطرق بل طوتها ، وقدمت وعود الرجاء لي بل أنجزتها ، والأرض قد شرعت في لباس حليها وحللها ، ومراعي الربيع قد وعدت من الشمس بتسمين حملها ، والشّتاء قد آن أن يقوّض الخيام ، والأفق قد شمّر للانصراف ذيل الغمام ، ومبدأ الروض أحق بقول أبي الطيب : لقد حسنت بك الأيّام حتّى * كأنّك في فم الدّهر ابتسام « 2 » فأتينا الكسوة فلبسنا منها للمسرّة ثيابا سابغة الذّيول ، وطفنا منها بكعبة الفضل طوافا واضح الإقبال والقبول ، وقلنا للمقاصد : أبشري « 3 » بالحظوة ، ولعيون الآمال : تأمّلي ما أحسن الكعبة في الكسوة ، ومررنا والخيل تجمز جمزا ، وجزنا بالصّنمين ، فهمّت أن تفخر بمواطئ خيلنا على اللّات والعزّى ، وصعدنا منزلة رأس الماء فكاد الطرب يهزّه هزا ، ورأينا بينها وبين منزله المعبر أرضا قد اخضرّ جنابها ، وطرّز بآثار الطرف ثيابها ، فأمرت بالقول ، فقلت : سقى اللّه أرضا طرقها مثل طرزها * وسائرها برد من الوشي أخضر تذكّرت أحبابي بمثوى بريدها * فعيني رأس الماء وجسمي المعبر ووافينا الحصين وقد راغت الخيل روغان أبيه ، وتلقتّنا بالبشر والبشرى وجوه أهليه . وسألونا أن نريح عندهم الرّكاب من الأين ، وعجلوا بالضيافة على الفتوح ولا ينكر تعجيل الفتوح للحصين . ووجدنا هناك فقيرا مغربيّا حسن التلاوة وقد عجز عن المسير ، وارتدّ طرف قصيدة عن القدس خاسئا وهو حسير ، فأمرت له الصدقات الصاحبيّة بمركوب ونفقة تعينه على السفر والإقامة ، وألحقه في ذلك « 4 » بفقير عجمي ينشد لسان حاله : بي مثل ما بك يا حمامة . فلم أر مثلها صدقات تجود من الزّاد والراحلة بالغيث والبرق ، ولا مثله متصدقا يجلس لحظة واحدة فيركض نداه في الغرب والشرق . وعجلنا بعجلون ، فحشر الناس لدينا ضحى ، وجاء أهل المدينة يستبشرون
--> ( 1 ) ط : « القمول » . ( 2 ) ديوانه : 4 / 80 . ( 3 ) د : « تباشري » . ( 4 ) ط : « وألحقه بفقير » .